الشيخ السبحاني

100

فتنة التكفير ، جذورها وآثارها في المجتمع

ويدلّ على ذلك قوله سبحانه : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ « 1 » ، ويقول سبحانه : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ « 2 » روى القرطبي في تفسير قوله سبحانه : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ أنّ عمر بن الخطاب كان يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول : اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها ، وإن كنت كتبتني في أهل الشقاوة والذنب فأمتني وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة ، فإنّك تمحو ما تشاء وتثبت ، وعندك أُمّ الكتاب » . « 3 » فعلى هذا فالبداء بهذا المعنى عقيدة إسلامية عامّة . لكن يقع الكلام : لماذا عُبّر عنه بالبداء ، فيقال : بدا لله ، حيث إنّ معناه : ظهر لله ما خفي عليه . ومن المعلوم أنّه سبحانه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، والجواب عن ذلك بوجهين : الأوّل : أنّ هذا التعبير اقتباس من كلام النبي الخاتم ( ص ) حيث روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أنّه سمع رسول الله ( ص ) قال : « إنّ ثلاثة في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى بدا لله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكاً فأتى الأبرص . . . إلى آخر ما ذكره » . « 4 » ) الثاني : انّ هذا التعبير من باب المشاكلة نظير قوله سبحانه : وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ « 5 » ، وقوله سبحانه : إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً « 6 » ، وقوله سبحانه : نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ « 7 » ، وهذا من مظاهر البلاغة فإنّ الإنسان إذا ظهر ما خفي عليه يعبّر عنه بالبداء ويقول : بدا لي ، كذلك فالله سبحانه يعبّر عمّا ظهر للناس بعد ما خفي عنهم بالبداء ويقال :

--> ( 1 ) . الرعد ، آية 39 . ( 2 ) . الأعراف ، آية 96 . ( 3 ) . القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ، ج 9 ، ص 330 ، تفسير سورة الرعد . ( 4 ) . البخاري ، صحيح البخاري ، ج 4 ، ص 171 ، كتاب أحاديث الأنبياء ، الباب 53 ، برقم 2464 . ( 5 ) . آل عمران ، آية 54 ؛ الأنفال ، آية 30 . ( 6 ) . الطارق ، آيات 15 و 16 . ( 7 ) . التوبة ، آية 67 .